يرى الكاتب عمرو عدلي أن الحرب الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى لم تقتصر آثارها على الجوانب العسكرية والسياسية، بل كشفت تحولات عميقة في خطاب الجمهورية الإسلامية وهويتها السياسية. ويشير إلى أن وزارة الخارجية الإيرانية لجأت خلال المواجهة إلى استحضار رموز فارسية قديمة، وعلى رأسها نقوش موقع "نقش رستم"، لتأكيد الصمود وإبراز ما اعتبرته طهران انتصاراً فرض شروطه على خصومها.


ونشرت المنصة هذا المقال الذي يناقش التحولات الفكرية والسياسية التي برزت داخل إيران بعد الحرب، ويرصد العلاقة بين الهوية الفارسية والإسلامية، كما يستعرض الخيارات الاستراتيجية التي تواجه النظام الإيراني في المرحلة المقبلة بعد انتهاء المواجهة العسكرية.


صعود الهوية الفارسية في الخطاب الإيراني



يعكس الاستخدام المكثف لرموز الحضارة الفارسية القديمة تغيراً لافتاً في خطاب الجمهورية الإسلامية. فعلى امتداد عقود طويلة، فضلت الدولة الإيرانية إبراز البعد الإسلامي الشيعي بوصفه الركيزة الأساسية للهوية الوطنية، بينما تراجع الاهتمام الرسمي بالإرث الفارسي السابق للإسلام.



ويحمل موقع نقش رستم دلالات خاصة في الذاكرة التاريخية الإيرانية، إذ يضم نقوشاً تحتفي بانتصارات الملك الساساني شابور الأول على الإمبراطورية البيزنطية. وتصور إحدى هذه النقوش الإمبراطور الروماني فاليريان وهو يقع أسيراً بعد هزيمته، بينما يظهر إمبراطور آخر في وضع الخضوع أمام الملك الساساني.



ويعتقد الكاتب أن استدعاء هذه الرموز يهدف إلى تقديم الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارهما الامتداد المعاصر للخصوم التاريخيين الذين واجهتهم فارس قديماً. ومن خلال هذا الربط، يسعى النظام الإيراني إلى تعزيز سردية المقاومة والصمود في مواجهة الضغوط الخارجية.



لكن هذا التوجه يطرح إشكالية مهمة، إذ تتضمن بعض النقوش إشارات دينية تعود إلى الحقبة الزرادشتية السابقة للإسلام. ورغم ذلك، يبدو أن النظام أصبح أكثر استعداداً لدمج العناصر القومية الفارسية مع المكونات الإسلامية ضمن خطاب وطني جامع يركز على وحدة الإيرانيين في أوقات الأزمات.
 

بين المصالح الوطنية والمشروع الإقليمي
 

يكشف التحول الخطابي عن أولوية جديدة تتمثل في التركيز على إيران والإيرانيين بوصفهما محور السياسات العامة. ويفسر هذا التوجه مطالبة طهران المستمرة برفع العقوبات واستعادة الأصول المالية المجمدة وتوفير الظروف اللازمة لتعافي الاقتصاد بعد سنوات طويلة من الضغوط والحروب.
 

في الوقت نفسه، لم تتخل الجمهورية الإسلامية عن رؤيتها الإقليمية التي تعتمد على بناء شبكة من الحلفاء والقوى السياسية والعسكرية في المنطقة. وتستند هذه الرؤية إلى هدف استراتيجي يتمثل في مواجهة النفوذ الإسرائيلي وتقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط.
 

غير أن الكاتب يلفت إلى أن هذا التوسع الإقليمي حمل تكاليف اقتصادية وسياسية كبيرة. فقد ساهم دعم الحركات المسلحة في لبنان وفلسطين في تعميق العقوبات الغربية على إيران، وأدى إلى عزل الاقتصاد الإيراني عن قطاعات واسعة من النظام المالي العالمي.
 

ويوضح أن الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 وفر نموذجاً للتوازن بين هذين المسارين، إذ حافظت إيران على برنامجها النووي ضمن قيود محددة مقابل تخفيف العقوبات وفتح المجال أمام النمو الاقتصادي، بينما واصلت برامجها الصاروخية وتحالفاتها الإقليمية دون تغييرات جوهرية.
 

خيارات إيران بعد الحرب
 

يعتقد الكاتب أن الحرب الأخيرة انتهت بينما نجحت إيران في الحفاظ على كثير من المكتسبات التي حققتها بعد اتفاق 2015، رغم الضغوط العسكرية والسياسية الكبيرة التي تعرضت لها. كما أظهرت مؤسسات الدولة قدرة ملحوظة على التماسك والاستمرار رغم استهداف قيادات بارزة خلال الأيام الأولى من الصراع.



لكن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء التحديات. فما زالت إيران تواجه أزمات اقتصادية متراكمة وتراجعاً في مستويات الرضا الشعبي، الأمر الذي يفرض على القيادة الإيرانية اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة بشأن المستقبل.


ويتمثل الخيار الأول في مواصلة النهج الحالي عبر إعادة بناء القدرات العسكرية وتعزيز التحالفات الإقليمية والاستعداد لمواجهات جديدة، مع السعي إلى امتلاك وسائل ردع أكثر فاعلية في مواجهة أي تهديد مستقبلي.


أما الخيار الثاني فيقوم على إعطاء الأولوية للتعافي الاقتصادي واستعادة الشرعية الداخلية وتحسين مستويات المعيشة، من خلال توسيع الاندماج في التجارة والاستثمار العالميين والاستفادة من القدرات الصناعية والتكنولوجية التي راكمتها البلاد خلال العقود الماضية.


ويرى الكاتب أن مساحة معينة قد تسمح بالجمع بين المسارين، عبر ربط الدور الإقليمي الإيراني بالمصالح الأمنية المباشرة بدلاً من الاعتماد الكامل على الاعتبارات الأيديولوجية. إلا أن نجاح هذا المسار يتطلب قدرة كبيرة على إدارة التوازنات داخل النخبة الحاكمة وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.


ويخلص المقال إلى أن الجمهورية الإسلامية تقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تشبه مرحلة تأسيس جديدة. فبعد أن تجاوزت اختبار الحرب، أصبح السؤال الأهم ليس كيفية تحقيق الانتصار، بل كيفية استثمار نتائجه في بناء نموذج سياسي واقتصادي أكثر استقراراً وقدرة على الاستمرار في الداخل والخارج.

 

https://almanassa.com/en/stories/32475